يوم الأربعاء كان زوج اليورو/الدولار يختبر نطاق 1.16 في ظل قوة الدولار الأمريكي. السوق يبدو متوتراً بوضوح قبيل الاجتماع بين Donald Trump وXi Jinping المقرر يوم الخميس 14 مايو. فالمطروح على الطاولة ليس فقط تمديد الهدنة التجارية مع الصين، بل أيضاً ما يُسمى بـ"الملف الإيراني"، نظراً للدور المحتمل للصين كلاعب خارجي رئيسي قادر على التأثير في موقف طهران (وبالتالي في ديناميكيات خفض التصعيد في الشرق الأوسط). لذلك، يبدو الارتفاع الحالي في مزاج العزوف عن المخاطرة مبرَّراً إلى حدّ كبير، إذ إن السوق وصل فعلياً إلى لحظة يمكن أن تنفلت فيها "النابض المضغوط" للتوقعات في أي من الاتجاهين.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير قوة الدولار فقط بزيادة الطلب على الأصول الآمنة. فقد لعبت البيانات المنشورة حديثاً حول نمو مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ومؤشر أسعار المنتجين (PPI) دوراً إضافياً، حيث عكست تسارع التضخم في الولايات المتحدة. وأظهرت كلٌّ من القراءات الإجمالية والمؤشرات الأساسية اتجاهاً صعودياً، ما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية حتى بعد استبعاد المكونات شديدة التقلب.
في أبريل، قفز مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة (CPI) إلى 3.8% على أساس سنوي، وهو أقوى معدل نمو منذ مايو 2023. وقد تسارع التضخم الإجمالي بسرعة للشهر الثاني على التوالي: فبعد أن ارتفع المعدل العام لـ CPI في مارس من 2.4% إلى 3.3%، ازداد في أبريل من 3.3% إلى 3.8% على أساس سنوي. وكان المحرك الرئيسي لهذا التسارع هو، بطبيعة الحال، قطاع الطاقة، الذي شكّل أكثر من 40% من الزيادة الشهرية في المؤشر. فقد ارتفع مؤشر فرعي الطاقة بنحو أربعة بالمئة (3.8%) على أساس شهري، وبنسبة مذهلة بلغت 17.9% على أساس سنوي. وعلى وجه التحديد، ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 5.4% على أساس شهري (بعد قفزة قياسية في مارس) وبنحو 28% دفعة واحدة على أساس سنوي.
في الشهر الماضي، تجاهل السوق إلى حد كبير مكوّن الطاقة، إذ عُزي ارتفاعه الحاد إلى تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. إلا أن تقرير أبريل يختلف بشكل ملحوظ عن بيانات مارس، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة بدأ يتسرّب تدريجياً إلى فئات التضخم الأساسي. فقد تسارع مؤشر أسعار المستهلكين باستثناء الغذاء والطاقة إلى 0.4% على أساس شهري (وهو الأعلى منذ يناير من العام الماضي)، وإلى 2.8% على أساس سنوي (وهو الأعلى منذ سبتمبر 2025). وجاء كلا المكوّنين باللون "الأخضر"، متجاوزين تقديرات التوقعات. علاوة على ذلك، يُظهر مؤشر Core CPI على أساس سنوي اتجاهاً صعودياً مستقراً للشهر الثاني على التوالي.
أكثر الإشارات إزعاجاً للاحتياطي الفيدرالي هي تسارع التضخم في قطاع الخدمات، حيث ترتبط الأسعار فيه ارتباطاً وثيقاً بسوق العمل والأجور. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 20.7% على أساس سنوي (وهو تأثير مباشر لنقل شركات الطيران تكاليف وقود الطائرات إلى المستهلكين). كما ارتفع مؤشر الإسكان بنسبة متواضعة نسبياً (0.6%)، لكن بالنظر إلى الثقل الكبير لهذه المكوّن في سلة CPI، فإن استقراره النسبي يترك أثراً ملموساً على المشهد العام للتضخم. بالإضافة إلى ذلك، وبعد فترة من الركود، عادت أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع (+0.5% على أساس شهري)، لا سيما في فئات اللحوم والدواجن والخضروات.
نقطة مهمة أخرى في تقرير CPI لشهر أبريل هي أن متوسط الأجور بالساعة بعد تعديله للتضخم تراجع بنسبة 0.5% على أساس شهري وبنسبة 0.3% على أساس سنوي. وهذا يشير إلى تآكل الدخول الحقيقية، في أول مرة منذ أبريل 2023 التي "يلتهم" فيها التضخم نمو الأجور السنوي.
بصورة عامة، يشير مؤشر CPI لشهر أبريل إلى موجة تضخمية ثانوية. فقد بدأت أسعار الطاقة المرتفعة تنعكس في تكاليف الخدمات واللوجستيات.
التقرير الخاص بنمو مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة (PPI) زاد الصورة قتامة. فقد جاءت الأرقام أعلى بكثير من القيم المتوقعة، ما يدل على أن الاقتصاد الأمريكي يواجه ضغوطاً تضخمية لم تُستوعب بالكامل بعد في النماذج. قفز المؤشر العام لأسعار المنتجين (PPI) بنسبة 1.4% على أساس شهري (مقابل توقعات بارتفاع قدره 0.5%). وعلى أساس سنوي، قفز المؤشر العام إلى 6.0% (مقابل 4.3% في مارس)، وهو أقوى معدل نمو منذ مارس 2022. كما تسارع المؤشر الأساسي لأسعار المنتجين بشكل لافت، مرتفعاً بنسبة 1.0% على أساس شهري (مقابل توقعات بزيادة 0.3%) وبنسبة 5.2% على أساس سنوي (مقابل 4.3% في مارس).
يشير هذا الارتفاع الحاد في المؤشر الأساسي لـ PPI إلى أن المنتجين لم يعودوا يمتصون ارتفاع التكاليف من خلال هوامش أرباحهم، بل بدأوا في تمريرها إلى المستهلك النهائي.
ومن الجدير بالذكر أيضاً ارتفاع تكاليف نقل البضائع بالشاحنات. فهذا عامل مهم يشير إلى موجة جديدة محتملة في CPI، إذ إن الغالبية الساحقة من السلع في الولايات المتحدة تُنقل براً عبر الشاحنات. وستنتهي زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية إلى تحميلها على المستهلكين، ما يزيد الضغوط التضخمية.
بوجه عام، تشير ديناميكيات CPI وPPI إلى تشكّل "موجة ثانية" من التضخم. وهذا يعني أن التضخم يتحرك تدريجياً خارج نطاق الارتفاع المؤقت المدفوع بأسعار الطاقة، ليصبح أكثر رسوخاً. كما أن ارتفاع المؤشرات الأساسية في كل من التقريرين يوضح أن الشركات باتت بشكل متزايد تمرر التكاليف إلى المستهلك النهائي.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الإشارات الواضحة ذات الطابع المتشدد على صعيد الاقتصاد الكلي، لا يزال البائعون غير قادرين على كسر مستوى الدعم 1.1690 بثقة (وهو الخط الأوسط لمؤشر Bollinger Bands على الإطار الزمني الأسبوعي). في رأيي، تنبع هذه الحالة من التردد من الترقب المحيط بالمفاوضات القادمة بين Trump وXi Jinping. فقد تشكّل هذه المفاوضات نقطة محتملة لتهدئة التوترات ليس فقط على المسار التجاري‑السياسي بين الولايات المتحدة والصين، بل قد تؤثر بشكل غير مباشر أيضاً في طيف أوسع من القضايا، بما في ذلك الصراع في الشرق الأوسط. ومن شأن نتيجة ناجحة لهذه المفاوضات أن تخفف من الصدمات السعرية العالمية، وهو ما قد يبطئ بدوره الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة ويعزز التوقعات "المائلة إلى التيسير" بشأن تحركات الاحتياطي الفيدرالي المستقبلية.
وعليه، وعلى الرغم من التسارع الحاد للتضخم في الولايات المتحدة والضغوط الهبوطية على زوج EUR/USD، فإن فتح مراكز بيع لا يُنصح به إلا في حال تمكن البائعين من كسر هدف 1.1690 والثبات دونه كمستوى دعم. ومع ذلك، يبدو أن المتداولين سيفضلون انتظار نتائج المفاوضات في بكين ضمن نطاق الرقم 17، حيث يتداول الزوج لل सप्ताह الخامس على التوالي.